سيتمّ تحديث هذهِ الصفحة باستمرار . كلما أنهيتُ
قراءة كتابٍ جديد .. و كلّما وجدتُ الوقت لتدوين اللحظات التي استوقفتني
مما قرأتهُ مِن كتب أخرى .
ــــــــــــــــ
تحديث 1-6-2008
-8-

فصل
في الجحيم / رامبو | تاريخ القراءة 3-3-2008
ذات مساء , أقعدت الجمالَ على ركبتيّ
_ فألفيتهُ مُرّاً _ فهجوته , و تسلحت ضدّ العدالة .
آه , لقد تحمّلت أكثر مما يطاق : و
لكن .. أيا إبليس العزيز , أتوسّلُ إليك . نظرة أقلّ شزراً ! . و في
انتظار الخسائس الصغيرة المتوقّعة , أنتزعُ لك . أنتَ يا مَن تحبّ
في الكاتب التجرّد مِن ملكات الوصف أو الإرشاد . هذهِ الصفحات البشعة
القليلة مِن كرّاسة لعينٍ رجيم .
جميع الحرف تفزعني . السّادة و العمال
, جميعهم فلاحون , شائنون . اليد ذات اليراع لا تفضّل اليد قائدة المحراث
_ يا لهُ مِن قرن يدوي _ لن تكون لي يد . و بعد , لا يقف الامتهان
عند حد . ثمّ إنّ أمانة الشحاذة تفجعني . و المجرمون كريهون كالخصيان
: أما أنا , فلَم أمَسّ . و كلّ هذا لديّ سواء .
مِن الواضح أني كنتُ دائماً مِن سلالةِ
منحطّة . فالتمرّد يسمو على إدراكي . و لم تهب سلالتي قط إلا لتنهب
. فعل الذئاب مع الفريسة التي لم تقتنصها .
لا رحيل , فلأعد مِن حيث أتيت . محمّلاً
بإثمي . الاثم الذي مدّ جذوره جالبة الشقاء بجواري . مذ بلغت سنّ الرشد
_ و الذي يصعد إلى السماء , فيقهرني و يوقعني و يجرني .
لم أصنع شراً قَط . و ستصبِح أيّامي
يسراً . و لن تكون بي حاجة إلى التّوبة . لن أقاسي عذاب النفس شبه
الميتة في وجه الخير . حيث يرتفع النور القاسي كالشموع الجنائزية .
لقد حلّ بي الهدى , العالم طيب . و
سأبارك الحياة . و سأحبّ إخوتي . ليسَت هذه وعود صبيّة , ولا الأمل
في النجاة مِن الشيخوخة و الموت . الله مصدر قوتي , و إني أسبّح باسم
الرب .
السأم لم يعُد غرامي , و ثورات الغضب
و العربدة , و الجنون .. تلك التي عرفت كل نزواتها و ويلاتها _ كل
العبء قد طرحته . فلنقدّر دونَ ذهول مدى براءتي ! .
مهزلة لا تنقطع ! , لتوشكَ براءتي
أن تبكيني . الحياة هيَ المهزلة التي ينبغي أن يحوكها الجميع .
إني أعتقد أني في الجحيم , إذن فأنا
فيه .
إنهُ ما مِن أحد يفكّر أبداً في غيره
. لا تقتربوا . إني أفوحُ برائحةِ الشّواء , لا شكّ في ذلك .
عجباً , لقد توقفَت عجلة الحياة .
لم أعُد في العالم .. اللاهوت ليسَ هزلاً . فالجحيم أسفلَ حقاً . و
السماء في الأعلى _ نشوة , كابوس , رقاد في عشّ لهب .
لديّ كل المواهب . ليس هنا أحد و هنا
أحد : لا أودّ بعثرة كنزي , أتريدونَ أغانيَ زنجية ؟ , حوريّاتٌ ترقص
؟ , أتريدونَ أن أختفي . أن أغطس بحثاً عن الخاتم ؟ أتريدون ؟ بوسعي
أن أصنع ذهباً , و أدوية شافية .
لعلّهُ سيختفي يوماً بأعجوبة , و لكن
ينبغي أن أعلم , إذا كان سيرتفع إلى السماء . لأشهدَ شيئاً مِن صعود
الحبيب .
يا لها مِن رفقة ! .
احتدّ طبعي , فقلتُ وداعاً للعالم
في ضروبٍ مِن الرومانسيات .
و أخيراً , يا لغبطتي و حكمتي , نحّيتُ
عن السماء لازوردها الذي هوَ أسود و عشت ومضةً ذهبية , بالنور الطبيعي
. و مِن بهجتي , تصنعت المجون و التيهان بقدر ما استطعت :
وجدتها ..
ما هي الأبدية ؟
إنها البحرُ مختلطاً بالشمس .
بالأمس , عدتُ أتنهد : " يا لنا مِن
حشدٍ من الملاعين في هذه الدنيا ! إني مِن زمن طويل في زمرتهم , و
أعرفهم جميعاً . كلّ مِنا يميز الآخر , إذ كلٌ منا ينفر مِن الآخر
. و كلنا يجهل المحبّة , و لكننا مهذبون " !
------
_7_

رواية
نصف / إبراهيم الزنيدي - تاريخ القراءة : 12-2006
- هيه أنت , ألا يكفيكَ أني أعاني
كلما نظرت إلى وجهك ؟
لعلّ مِن مميزات الدول العربية وجود
الطوابير في كلّ مكان , وما يميّز هذهِ الطوابير أيضاً أنها بيئة مناسبة
جداً لظهور الغرائز الوحشية التي حاولَ الزمن أن يمحوها مِن البشر
. الحمدُ لله نحن العرب لنا فضل على علمِ النفس و حتى على علم المستحثات
. _
مِن المُربِك أن تتشرب البديهيّات
الغبيّة مَع كوب شايٍ معتّق . بعض الأسئلة إن لم نُجِب عليها نفينا
حقيقة تسكعنا على خط الزمن هذا ! . _
دائماً ما أبحث عن طريقة جديدة لبداية
اليوم , أظن أنني مللت مِن النهوض صباحاً . _
قد أتفق مع نفسي أنّ أقوى دافع للمسير
في طريق الغربة هو الفضول . أما دوافِع العودة فتتسربَل بهدوئها .
_
أمران إن سيطرا قمَعا أيّ محاولة للتعبير
" الخوف و الشوق " . لا أتمنى لأيّ حبيب أن يخافَ مِن شوقه و أتمنى
للبقية غير المُحايدة أن يشتاقوا لخوفهم ! . _
الشعب العربي فريد جداً مِن نوعه .
فهوَ قادرٌ على تلحين قرقرة البطن الخاوية . دائماً ما أحاولُ التحدث
عن الشعب العربي بوصفهِ " كلمةً شعريّة " و لكِن أخاف أن يأتي أحد
الفحول و يجزِم الكلمة فتزداد " الجزمات " فوق رؤوسنا ! . _
سترجع إلى عنيزة ؟ _
نعم سأفعل , فقد أصبحَ بقائي بلا مبرر
. _
يا أحمق , ألا تعلَم أنهم هناكَ يتوارثونَ
الوظائف و الحقد و الفضول و حتى تسوس الأسنان ؟ . ألا تعلم أنهم ما
زالوا يقدّسونَ الضغينة ؟ , حتى الآن ينظرون للشخص الذي يجاهِر بحبّه
لمدينة " بريدة " على أنّهُ خائن . و العكس يحدثُ أيضاً . _
هل تعرف كيف يستردّ الفلاسِفة ديونهم
؟ _
ردّ و الدخان يتصاعد مِن فمه : الفلاسفة
لا يقرضونَ المعدَمين يا صديقي . _
في الأحياء الصغيرة تهضم الرياض جنونها
, و تثمل صعوداً إلى أعلى الطبقات . لم أكُن وحيداً مِن قبل كما الآن
, و لم أشتق للمذياع مثل هذا الشوق . لو عاد بي الزمن ما سخرت مِن
سيمفونية بيتهوفن الأربعين وما كرهت بيروقراطية نشرة الأخبار ! . _
هذا يكفي سأطرق الباب الآن و ليَكن
ما يكُن .
نعم ؟ . _
قالها أنفٌ كبير خرج مِن الباب !
أتيتُ عن طريق " أبو عرَب " قال أنكم
تبحثونَ عَن كاتِب _
نظرَ إليّ باشمئزاز و قال :
نحنُ نبحثُ عن كاتب , لا عَن آلة كاتبة
. _
قلت بعد أن بلعت وصفهُ الوقح :
يا " شيء " , أظن بأنّكَ تنظرُ إلى
المرآة ! _
قال بعدَ أن رجع إلى الوراء ليفسح
الطريق لي :
أدخل يا عربيد _
سمعتهُ يقول بصوتٍ منخفض : يبدو أنّ
هواية سيدي جمع أنصاف البشر .
غضبت و أنساني الغضب أنّ الأسلوب السلمي
هو المبرر العقلاني لعدم انقراض مخلوق مثل القرش المفلطح ! . ضربتُ
كتفهُ بقوة و بعد أن استدار و واجهني سدّدتُ لكمةً محكمة على أنفهِ
و قلت و أنا أفكر بالهرب :
قد أكون مِن أنصاف البشر كما تقول
, و لكنّي على الأقل النصف الأعلى مِنه ! . _
الحياةُ لا تشترى ولا تباع , إنها
تُستهلك فقط .
قبل أن يسقطني المرض كنتُ أعودُ لغرفتي
مبكراً لأسمعكَ و أنتَ تقرأ , حتى أني مع الوقت بدأت أسمّي الكتب !
. إنّ الحياة هي عادةٌ سيئة يرتكبها الميت كل يوم . _
كنتُ اكتبُ ضدّهم فأصبحتُ أنا الـ
" هُم " , أيّ سخريةٍ أقسى مِن هذهِ السخرية ؟ _
خرجَ مِن المكتب كالزوبعة محيلاً كل
ما يراهُ إلى فوضى . تذكرت مقولة البابليين أثناء ترتيبي للمكتَب :
" مِن الفوضى صنعَ مردوخ النظام " . سأكونُ " مردوخ " هذه الغرفة و
سأصنعُ شيئاً متواضعاً أسميهِ النظام . _
إنّ الإنسان خارج البُعد الإيماني
عبارة عن معادلة كيميائية معقدة . و كلّ ما يحدث له ليس إلا نتيجة
فرعية لهذه المعادلة . الحب و البغض , الصدق و الكذب , النفاق و الإخلاص
. كل هذا أصبحَ داخل جدول العناصر الكيميائية ! . _
كانت جدتي تقول : " الحياة مثلَ قدرِ
الجيران , لا تعرف أبداً ما بداخله " ! . مسكينة هيَ جدتي لا تعلم
أنّ الجيران أبداً لا يطبخون ! . و مسكينٌ أنا إذ استذكرت هذهِ " المقولة
" . _
تقولُ الحكمة : " إذا أردت الوصول
إلى العُمق , عليكَ المرور بالسطح أولاً " . _
أريدُ صنعَ مدخلٍ يحملني إلى الخارج
_
ما زلتُ أفكر بالأشياء المتحرّكة .
كصعود الروح إلى رئتي و البرد المصاحب لفكرة الهرب مع الزفير . _
أراهنُ بكلّ أموالي التي أعطيتها لأبو
عرب أنّ الأخوانَ هنا لا يقرؤونَ أشعار عمر أبو ريشة . ولا يحبون ابن
خلدون و مقدمته _ هذا إن سمعوا به _ , و إني على قناعة لا تقبل التشكيك
أنهم لم يحملوا همّ معرفة الكون مثل حيّ بن يقظان . _
إنهم يسمونكَ " ذبابَة الفجر " لأنّكَ
تنهضُ مغنّياً . _
قل لهم أني أسميهم صراصير الظهيرة
! _
الخوف , هو الجهل . نخافُ مِن الظلام
لأنّ عقدنا تعيش هناك . المصباح يتكفل بنفي حالة الخوف لأنهُ يمتلك
القدرة على تبديد الظلام . _
توجَد ثغرة مبررة بالجدار , يسمونها
" النافذة " , و نسميها نحن " دليل العالَم الخارجي " . _
_
-6-

رواية | قوة الضحك
في أورا - تاريخ القراءة : 22-9-2006
لم تكُن لي علاقةٌ بِما حدَث آنذاكَ لأنني كنتُ مشغولاً بوضعِ بُعدٍ
آخرَ لا تقيسهُ المسطرة لهذا الوجود , وجودي أنا الذي يطمح بنوعٍ
مِنَ الشوق أن يتحول إلى حادث
لا أدري ما علاقةُ التلذّذ بالسيجارة
كنتُ أؤجّل دائماً لحظة التفكير بنفسي , لأنني أعرفُ كرمَ القسوة ,
و أعرفُ الهوّة التي عليّ أن أقفزها لكي أعودَ مرةً أخرى إلى الفيضان.
لم أعُد خائفاً مِنَ الكسل كما كنت , لأنني لم أعُد أثقُ بالنسيان
و إن يُخلّصني أحياناً مِن وجع الفكرة.
أنا
مصدوع .. إذن أنا بخير .
باشِر بإزالةِ الشر ستجد نفسَك قد باشرتَ أصلاً بعملِ الخير , بل أنّ
مجرّد إزالة الشرّ هوَ عملُ خير .
لا تُقاسُ الخسارة بأيّ شيءٍ سواها , فالكأسُ الذي انكسر لَم يعُد
بالإمكان أن أشربَ مِنهُ ثانية .
بما أنّ الحبلَ طويل فإنَ البئرَ عميق .
متى أتذكّر أيامي دونَ أن تكون ثمةَ نكبَاتٍ أو زلازل و جرح ينكأ في
كلِّ خطوةٍ حرونة نحو الغروب .
ما هي الآثار التي سوفَ نتركها للذاكرة ؟ إننا نصرّ على أن نكون في
حضورٍ دائم , بلا عذابٍ معروف , ولا عقدٍ ممكنة , ولا أمل معذّب
.
نتناول بعضنا ببساطة كما نتناول هواء التنفس , دونَ أن يحاول أحدنا
سرَقةَ الآخر , دون أن نطمح إلى إذلالِ بعضنا .
أشعر بأننا لم نعد
مِن سكّانِ هذه الأرض المعتقة بالخطيئة . إننا مِن كوكب آخر لا تعني
لديهِ كلمة " موت " أكثر مِن نكتة فارغة تثير الضّحك .
لماذا نفترق إذا كنّا
نريد البقاء ؟ .
ــــ
- 5 -

رواية
دابادا | حسن مطلك - تاريخ القراءة : 10 -1-2006
رآها في حضورٍ
دائم بعدَ خمود النّار حركَة إثْرَ حركَة ولا يعرف كيفَ يقول : أمّي
, و هيَ تجهل عنه الكثير لأنّها لا تعرف كيفَ يقول : أمي , ولا ترى
إخلاصهُ المُشعّ كإخلاص الأبناء عندما يسألونَ عَن طبخَةِ اليوم ,
بل على العكس , ترى الجحودَ المُشعّ في مرور السنوات التي يقضيها محبُوسَاً
و هيَ عندهُ سواء في النشاط أو المرض , و يخمُدُ الجَمْر فتغيبُ عنهُ
كذكرَى وفاة " .
" كانَ النّباح
يصعد مَعَ الأرجَاء , النقيق في البِرَك , و حينَ عوَت الذّئَاب ابتدأت
يقظَةُ الحشَرات عندما قالَ شيْخ : إنّ الشّرّ فِكرة , و إن الحب طبيعة
" .
لربّما سيَأتِي
الحظ في هيئةِ شحّاذ : صُدفة , أو عودة غائب مِن وراءِ الأقفَال في
نفق : السلامُ عليكم ! .
كانَ الزّمنُ
ضائعاً في فراغِ المكان , كافياً لكي يستعرض كلّ منتظر أسماءَ الوجوه
العميقة المطعّمَة بيَبابَ الحصاد , هناكَ آثارُ كلماتٍ ذاوِيَة على
الشّفاهِ السّفلَى المُتدلّيَة ".
" في كلّ مرة
كان يحاولُ الإمساكَ بلفظة تختصرُ الحيَاة , كلمةٌ يقولُها فلا يَبقَى
سرٌّ بعدَ ذلك , ولكنّها تقفزُ إلى مكانٍ آخر كلّما حاولَ جمعها ".
لم يُدرك الحاضرونَ
معنى لوجودِهم هناك ممّن يحملُ منهم شرفَ الالتصاق , أو قدرة الالتصاقَ
عبرَ غفوة تمتدّ مِن مراهقة امرأة حتى سنّ اليَأس . زمنٌ كافٍ لإدراك
أنّ ما فعلوهُ وما كانوا يفعلونه بِلا مَعنى , و أنّ حضورَهُم شبيهٌ
بغسلِ الأشجار قبلَ رميها في النهر .
تلكَ الدّقات
الرتيبة الضعيفة التي توشكُ بعد كل دقةٍ قادمة على الانتهاء , أجل
إنها همَسَات .
أمرٌ جديرٌ بالإذعان
أمام مُفردَات الفسيولوجيا البسيطة , ليسَت مُجرّد عيْن , يقول : هذهِ
العين بالذات , أيُّ لونٍ لها ؟ .. إنّها الحياةُ مكرّسَة في لحظةِ
الانتباه إلى حركَة دخول النصل بطيئاً بطيئاً في القلب , و هكذا حينَ
أرادَ التعبيرَ عن فِهم الإبهام , قالَ أنّهُ يعي وقائعً موته كمَن
ينفّذ خطّة طويلة بذلَ في إعدادها زمناً يمتدّ مِن آشور بانيبال إلى
القيامة . مع ذلك , فالأمرُ محالٌ مُطلق , و ليسَ محالاً تقريباً أبداً
أبداً .
يقولُ الأحياء
أنّ الحياة صعبة , ما أروع أن تكونَ صعبة ! ..و همُ الأحياء في كلّ
مكانٍ من الكرة الأرضية , يعرفونَ أسماءَ بعضهم بعضاً , البشر .. الناس
.. الآخرون .
كلّهم آخرونَ بالنسبةِ لبعضهم .
و ماذا يفعلُ
المرء بعدَ أن يصفّي جميعَ حساباته ؟ يُدخّن ؟ يشرب ؟ يذهب إلى الفِراش
؟ يغسلْ يديهِ بالصابون ؟ يخونْ ؟ يتشاجَر ؟ يتناولُ الباذنجان على
الجريدة ؟ أيّ شيءٍ يفعل ؟ لا بدّ أنهُ سيُبعثِر حساباته ليعود إلى
تصفيَتها مِن جديد , و هكذا !.
الخيالُ منبع
الكوابيس في الصحو و ليس في النوم أبداً أبداً
.
و يقومُ المرء
بأسود الأعمال أحياناً : أن يفتحَ باباً فيجدَ الأربعاء , و يفتح الباب
فيتغيّر الفضاء , و يصعد لصق الحائط على رؤوس أصابعِه
.
هوَ يعرف أنّ
مِن أصعب الأمور أن يكوّن الإنسان فكرة مُحدّدة عن الأشياء حينَ يعتبرها
الآخرونَ زمناً مضى بلا أهمّيَة .
ـــ
- 4-

سأكون بين اللوز | سيرة شعرية لحسين البرغوثي -
تاريخ القراءة : 17-12-2007
1
قد يقولُ بعضُ
حكماءِ البوذيّة لمَن يُفكر مثلي :
| أنتَ لا تَرَى ديرَاً ولا خرائبَ دِير , بَلْ يسيلُ ذِهنَكَ إلى
خارجِه , ثمّ يتجمّد و يأخذ في نظركَ هيئة ديرٍ و خرَائبَ دير , فيرَى
ذهنكَ نفسهُ لا غير | . فليكُن ! , في أقصَى رُوحِي ديرٌ جُوّاني ما
, و حِكايَةُ " قدّورة " بابه .
2
قالَت أمي بأنّ
سعُّوطَة حلفَت بالله ليلتها أن لا تُزيحَ عظامَ الماضي أبداً , أبداً
.. ما دامَت حيّة .. و لعلّ هذا ما جعلها تُصبحُ في أواخر عمرها "
دايَة " القرية .. اختارَت توليدَ المستقبل بدلَ إزاحَةِ عظام الماضي
.
3
مَاتَ كايد هذا
فجأة .. قدراً مِنَ الله , فتزوّجَ قدّورة مِن زوجته سعّوطة , و تبنّى
ابنتهُ نايفة .. محض طفلةٍ صغيرة لا تعرف عن الدنيا بعد .. و تزوجَت
طفلاً آخر أصغر منها , من قريةٍ قرب نابُلس ." منطقة نائيَة في البراري
" , بمعايير تلكَ الأزمنة , صارَت تخلعُ عَن رأسِ " عريسها " طاقيّتهُ
البيضاء , و تلعبُ بها معهُ في التّراب .
4
الخيالُ طاقة
.
5
قال المُتنبي
: | يظلّ يجيء الذي قد مضى , لأنّ الذي سوف يأتي ذهب | !
6
في آخرِ الليلِ
في المستشفى , عِندما تنامُ الممرّضات , و يحلُ صمت .. أتكئ على السرير
تحتَ أزيز النّيُون , و جسمي كلهُ مُنهَك .. مخرّمٌ مِنَ الإبر , و
بقعٌ سوداء و خضراء في ذراعي .
و في دمي بدل الشهوات .. ليترات أدوية تكفي لأعراف ما مَعنى " مطر
الكيميَاء " , هذا هوَ التّعبير الذي خطرَ ببالي بالضبط حينَ قيلَ
لي سأخضع للعلاجِ الكِيماوي قبل سنتين : " مطر الكيمياء " . تخيلتُ
أنهم سيوقفونني في حمامٍ مغلق , على مصطبّةٍ من الإسمنت المسلّح -
هذا الاختراع الروماني الرهيب , الإسمنت المسلّح ! - و من فتحات في
السقف تُمطر محاليل كيماوية على جسمي كله , و مِنها محلولٌ أحمر حمرة
قانية , في كيسٍ بلاستيكي يثيرُ الغثيان . لاحقاً سيصبّونَ منه ليترات
في دمي .
7
شعرتُ كأنني في
حلمٍ بعثهُ جبلُ الآلهة إلي , حلمٌ يشبه ردّ مظفر النوّاب حين قالوا
لهُ لن يوصلكَ البحرُ إلى البصرة , قال :
| سيوصلني البحر | , قالوا لن يوصلكَ البحر إلى البصرة قال: | البحرُ
سيوصلني, أو تأتي البصرةُ في الأحلامِ و تأخذني |
.
8
هذا مساءٌ " قيامَوي
" .. قلتُ لنفسي .
9
حتى آثر الذي
بلغ الثالِثَة الآن , قعدَ قُربي خائفاً , ثمّ قال : " حسين , انظر
إلى البحر الذي فوق " ! - التسمية التي يُطلقها على السّمَاء - . لم
أجبْه , كنتُ مذهُولاً تماماً , و أراقِب , فأكمَل : " حسين , أريدُ
فستاناً " قلت : الفساتين للبنات , أنتَ ولَد . قال " طيب , أريدُ
أن أصيرَ بنتاً " ! .
شردتُ في رغبتهِ بالتحوّل , قلت سيُصبحُ أنثى لسبعِ سنين , مثل تايريزياس,
عرّاف مَعبَد دلفي , ثُمّ يرجعُ ذكَراً , فتعترفُ بهِ جنائنُ اللوز
عرّافاً لمعبدها , و أحكم مَن ينطِقُ باسمِ الآلهَة !
.
10
ألم تحِن قيامَتي
بعد ؟ سأنضجُ عمّا قريب . مع اللوز , و الرّمان , و الوَرد . و أقولُ
لهذهِ الجَنائن : قَد نضجت ! , و إن ضحِكت ستشرق الشمس , و إن بكيتُ
ستُمطر , و سأرجعُ طفلاً , و إن لم أستطع الآن .. ففي حياتي الحَاليّة
سأحيَا لأعرِف , لكن فِي حيَاتي التّاليَة في دورةِ التّناسخِ هذه
سأرجعُ إلى الأرض و أمشي عليها كطفلٍ - نبيّ -
.
11
السّؤالُ عندي
: ليسَ متى او كيفَ أموت , ولا حتّى ثُنائيّة الأمل و الهَلاك , بَل
ماذا سأخلِقُ مِن نفسي الآن .. كي تكونَ نهايتي احتفالاً سامياً ببداياتي
, فأجدُ بدلَ الاحتفاء السّامِي بالبدايات أشبه هذا الفيلم الأمريكي
لمُخرج مُصاب بالإيدز . فيلم كله بالأزرَق , لا تمرُق فيهِ سوى أشباح
أشياءٍ زرقاء . و صوتُ المُخرج يحكي : " أيّة جحيمٍ هيَ غرفةُ الانتظَار
.... " .
12
قالَ بُول كلي
مرّة , أنّ " الرّسام لا يرسُم " المرئي . بل يجعلهُ مرئياً " .. و
السرطَانُ رسام جعلَ اللامَرئيّ في عيني مرئيّاً , حينَ يلتقي الفنّ
و الحبّ و الموتُ في الرّوح .
13
في الليل تلمعُ
بقعةٌ فضيّة تحتَ النّيون على مقبض باب , أو كأسِ عصير البرتقال ,
و أشرُد في الضّوء .لا تغتربُ الأشياء عَن عيني قط , بلْ تغتربُ عينَايَ
عن الأشياء . أيضاً .. أحد الزوّار مِن مرافقي المرضى , يمرّ أمَامَ
البَاب , فيرَى بُرتقالة أمامي , و يشيحُ بنظرهِ عَنها , فهيَ برتقالة
لمريض . و قد تُعديه , و تشعّ منها طاقة مرَضيّة توقظُ مخاوفهُ مِن
أن يحدُثَ لهُ ما حدث لي . هناكَ زوّار يشعرونَ بالشفقةِ عليّ , و
هُناكَ مَن يرتعِبْ , و هُناكَ مَن يعتاش على مخاوفَ المَرضَى , مثل
هذا الرجل مِن حركَة الدعوة بـ " سروال " و لحيَة و صندل , و شكلٍ
غريب , و كأنهُ مِن أهلِ الكهف . رأى زوجتي فاستيقظت شهواتهُ الجنسية
, فأخذَ يرُوحُ و يجيء .. و كلّمَا مرَقَ مِن أمَامِ البَاب طرَحَ
السّلام , ثمّ دخلَ لكي يُهدي " أخاهُ في الإسلام " , و و لكنّ عيناهُ
تحملقانِ في زوجتي , ولا يرَى بأنني أرَى , و أشعر بالغربة , و بأنني
صرتُ " نوعاً آخر " مِنَ البشر , فأحدّقُ في وهجِ البرتقالة و أكلّمه
:
" البُرتقالُ
يضيء غربتنا ..
البرتقالُ يضيء ,
و الياسَمينُ يثيرُ عزلتنا ..
و الياسمينُ بريء "
تفاصيل .. تفاصيل
.. تفاصيل .. , و كأنّ كلّ فقاعة صابونٍ كَوْن
.
14
قالَ حكماءُ الشرق
المقدّسون : | إن كنتَ تقفُ في داخلِ نفسكَ في المكانِ الصّحيح , فحيثُ
تقف هوَ المَكانُ الصّحيح | و عليّ فقط أن أكمل عودتي إلى الطّفلِ
الكامنِ فيّ .
15
إنت من وين ؟
أنا من بلدِ الحكايات " على رأي فيروز " .
16
كنّا نعرف , و
كان يعرف أنّ أيامهُ في هذه الدنيا قليلة , و كانَ التواطؤ لعبةٌ مقبولة
و متبادلة , ليُصبح الكلام عَنِ المرض مجرد إشَارَة عابِرَة في نقاشٍ
أكثر جدّية حولَ قضيةٍ من قضايا المعرفة .
17
كانَ بهذا المعنى
, وسيلةَ إيضاحٍ حية و حيوية لما ينبغي للمُثقف أن يكونَ عليهِ , في
ثقافةٍ يلتبسُ فيها الفرقَ بينَ منتج الأدب و مُنتج المعرفة , بقدرِ
ما يتعلّق الأمر بتعريف بمفهوم المثقّف . فمُنتِج الأدبِ ليسَ مثقفاً
بالضرورة , خلافاً لمُنتِجَ المعرفة , الذي يستمدّ ضرورة دورهُ الاجتماعي
مِن ذلكَ التعريف , و مِن كون الهمّ المعرفي شرطاً مِن شرُوطِ وجوده
.
18
ربّما تبدو أشياء
مِن نوع الرّأي , أو موعد النّشر , أو نقاش أساطير العصر الجاهلي ..
بلا أهمية بالنّسبةِ لشخصٍ يحتضر , لكنّ حسين البرغوثي كانَ مخلصاً
لما عاشَ بهِ و مِن أجله . و كانَت قضية المعرفة , و كانَت حتى الرمق
الأخير .
19
لا يصعُب العثور
على أشخاصٍ اشتروا شهادات مزيّفة لإضافة لقب الدكتور إلى أسمائهم ,
أو حصلوا على شهادات قليلة الأهمية حرصاً على اللقب في مُجتمع يقومُ
على الوجاهة و التّراتيبيّة شبه الرّيفيّة . لكنّ حسين البرغوثي كانَ
مِن طينةٍ لا تغويها الألقاب و الوظائف , ولا تستكين إلى قوالب متعارف
عليها , بل تُنتج نموذجها الخاص و مثالها الفريد , الذي ينسجم مع فكرَة
البَطل - الضد - أكثر مِن انسجامِه مَع فكرَة المواطِن الصّالح
.
20
بسبب التهاب الرئة
و القصبة الهوائيّة , تخرجُ مني عندما أتنفّس أصواتاً أغرب مِن غناءِ
الجبَل , حشرجَةً تشبهُ حيواناً أسطورياً جريحاً , و نِداءات تشبهُ
صهيلَ حصانٍ يأتي مِنَ البطن , و هكذا .. و هكذا .. تتداخل الأصوات
كأنّ غابةً في حُنجرتي .
21
المرض كالزمن
" يكسر الزوايا الحادّة " فينا جميعاً .
22
عندَ العرب حينَ
يُلهِمُ الله مغنيّاً , يهتفُ النّاس : " الله .. الله .. يا شيخ !
" , و يدعو العرب هذا طرَباً .
23
خسارة , قلتُ
لنفسي .. خسارة أن تمرّ على سطحِ الأرض , ولا تغيّر شيئاً .. أو تترُكَ
أثراً , خسارة يا ابن هذا الإرثِ العظيم , خسارة أن تولد و تموت في
زمنٍ مهزوم , بوعيٍ مهزوم , و خائف .
24
اللهمّ فلتشهد
.. اللهمّ فلتشهد , و ليغنِّ الجبَل .
ـــ
-3-

الثورة المغدورة | ليون تروتسكي - تاريخ القراءة
: 27-1-2008
1
لقَد أدّى ضعف البرجوازية الروسيّة إلى
تعذّر الوصول إلى الأهداف الديموقراطية لروسيا المتخلفة في المجالات
المذكورة , مثلَ تصفية المِلكيّة و عبوديّة الفلاحين إلا بواسطة ديكاتوريّة
البروليتاريا .و لكنّ البرليتاريا لم تستطيع الوقوف عندَ حدود الإصلاحات
الديموقراطية بعدَ وصولها إلى السلطة على رأس جماهيرَ الفلاّحين. و
اختلطَت بذلك الثّورة البرجوازية مباشَرة مع المَرحَلة الأولى مِنَ
الثورة الاشتراكية . و هذا ليسَ محضَ صدفة .- إنّ المتحضّرين الواقعينَ
في طريقٍ مسدُود .. يغلقونَ الطريق أمامَ الذينَ يتحضّرُون . لمْ تنخرِط
رُوسيا في طريقِ الثّورة البروليتاريّة لا لأنّ اقتصادها كانَ الأنضج
للتحوّل الاشتراكي , بل لأنّ هذا الاقتصاد غدا عاجزاً عن التطوّر على
أسسٍ رأسماليّة .-يُبرر لينين ضرورة إعادة علاقات السوق بأنّ في البلادِ
عدّة ملايين من المزارع المنعزلة التي اعتادَت أن تحدد علاقتها بالعالَم
المحيط بها بواسطة التجارة . كانت مهمّة حركَة البضائع أن تؤمّن “التحام
” الفلاحين بالصناعة المؤمّمة .و صيغة ” الالتحام ” النظرية بسيطة
جداً : على الصناعة أن تقدّم للريف البضائع الضروريّة بأسعارٍ تَجعل
الدّولة تعدِل عن مصادرة المنتجات الزراعية
2
إنّ المتحضّرين
الواقعينَ في طريقٍ مسدُود .. يغلقونَ الطريق أمامَ الذينَ يتحضّرُون
. لمْ تنخرِط رُوسيا في طريقِ الثّورة البروليتاريّة لا لأنّ اقتصادها
كانَ الأنضج للتحوّل الاشتراكي , بل لأنّ هذا الاقتصاد غدا عاجزاً
عن التطوّر على أسسٍ رأسماليّة.
3
يُبرر
لينين ضرورة إعادة علاقات السوق بأنّ في البلادِ عدّة ملايين من المزارع
المنعزلة التي اعتادَت أن تحدد علاقتها بالعالَم المحيط بها بواسطة
التجارة . كانت مهمّة حركَة البضائع أن تؤمّن "التحام " الفلاحين بالصناعة
المؤمّمة .و صيغة " الالتحام " النظرية بسيطة جداً : على الصناعة أن
تقدّم للريف البضائع الضروريّة بأسعارٍ تَجعل الدّولة تعدِل عن مصادرة
المنتجات الزراعية .
4
في ربيع
1923 تكلم ممثّل المعارضة اليساريّة - التي لم تكُن قد اتخذت لها هذا
الاسم بعد - في مؤتمر الحِزب مبيّناً الفرق بين أسعار الصناعة و الزراعة
بخط بيَاني يدعُو إلى القلق . و أطلقَ على هذهِ الظّاهرة آنذاكَ اسم
" المقصّ " الذي دخلَ فيما بعد إلى موسوعة المصطلحات العالمية
.
5
الستاخانوفي
: اسم يطلق في الاتحاد السوفيتي على العالم الذي يدفَع الإنتاج إلى
الأمام بحوافز معنويّة أكثر منها مادية . و الإسم مشتقّ من " استاخانوف
" و هو عاملٌ في مناجم الفحم الحجري استطاع عام 1935 م تنظيم العمل
في المنجم بحيثُ يستفيد مِن كلّ لحظة و كلّ حركة بغية زيادَة الإنتاج
.
6
الحقيقة
أنّ حياة العامل المختص اليوميّة صعبة لا سيّما في المحافظات . فبالإضافة
أنّهُ تمت التضحية أكثر فأكثر بيوم العمَل المؤلف من سبع ساعاتٍ على
مذبح زيادة مردود العمل , هناك ساعات كثيرة يلتهمها الكفاحي الإضافي
لتأمين الحياة .
7
اشتراكيّة
بدون لبَن أفضل مِن لبَن بدون اشترَاكيّة ! .
8
إنّ التنافس
الذي تغوصُ جذورهُ في البيولوجيا هوَ في النّظام الشيوعي أفضل محرّك
للحضارة , شرط أن يكونَ منزّهاً عن فكرَة الكسب و الحَسَد و الامتيازات
.
9
إننا
نعتقد أن الحالمين الرجعيين يختفونَ شيئاً فشيئاً , و السوفيات الديموقراطية
قادرة على ضرب " المتلاعبين الصغار " و " مروّجي الشائِعَات " . لقد
ردّ لينين في 1917 على المنظرين البرجوازيين و الإصلاحيين للدولة البيروقراطية
قائلاً :
| نحنُ لسنا طوبايين . إننا لا نُنكِر وجود تجاوزات يرتكبها بعضُ الأفراد
كما لا نُنكِر ضرورة قمع هذه التجاوزات . و لكنّ الأمر لا يتطلب جهازَ
قمعٍ خاص . فالشعبُ المسلّح يكفي وحده كما تكفي الجماهير المتمدّنة
للفصل بين المُتشاجِرين أو لحماية امرأةٍ منَ الشّتَائِم ! |
10
إنّ الحقيقة
.. لا الكذب .. هي مُحرّك التقدّم .
___
-2-

رواية : عشب الليل | إبراهيم الكوني
- تاريخ القراءة : 22-3-2006م
1
ليس فخراً أن تتباهى امرأة بقول مالا
يجبُ أن يقال.
2
إذا خرجَ مِن فمِ الإنسانِ القول المعيب
, فذلكَ عارٌ يلحق بقائلِ الأقوال , لا بمَن تسمّع و سمعَ الأقوال
, فهل يليقُ أن تُجازفَ الصبيّة بالشرف في سبيلِ أن ترضيَ شهوة و تُسمعَ
الناس مالا يجبُ أن يسمعهُ النّاس ؟
3
هُناكَ شرفٌ أبعد مِن شرفِ الجسد
, هُناكَ شرفٌ أكبر مِن الشرف , و صِيانَةُ اللسان مِن قولِ الجهل
مِفتاحٌ في طريقِ الشرف الأنبل.
4
غزت سيماءُ العرّافة مسحة شحوب ,في
العينينِ تألق حزن فتّان . الحزن النّبيل الذي لا يلوحُ إلا في عيونِ
الزّهاد و أولئكَ الذين خدعوا فضحّوا بحُطامِ الدّنيا ليكتَشفوا أنّ
الحياة ليسَت سوى هذا الحُطامَ نفسه .
5
ازدادَت حدقتاها اتساعاً قبلَ أن تقول
: | أستطيعٌ أن أحتملَ أقوى رجالِ الصحراء إلى الأبد , و لكنّي لا
أستطيعُ أن أحتملَ شيخاً أكلَ مِن تلكَ العشبة المشؤومةَ ساعةً واحدة
, أعرفُ أنّ المرأة لم تُخلق امرأة إلا لكي تحتمِلَ الرّجل , إلاّ
لكَي تحتملَ الرّجال , كلّ الرجال , و لكنّ السرّ في العُشبَة .
6
و في حينِ لم يُخفِ آخرونَ دهشتهم
في أن يحتَرِفَ المرءُ السّفساف , و يُجهد نفسهُ للبحثِ عن معنى أمرٍ
تافه كظلمة الليل أو سَواد البشرة , إلا أنّ فئةً أخرى أكدت أنّ الإنسانَ
يستطيع أن يُفلِح في أيّ أمر , مهما صغر .. إذا استطاعَ أن يجعلهُ
همّ يومِه.
7
اللّجوء إلى الوصايا المفقودة زعمٌ
اعتادته القبائلَ مِنَ المعاندين الذينَ يحتكمونَ إلى هذهِ الحيلة
إذا عجزوا و امتنعَ عنهم الدّليل .
8
و يُروى أنّ الجدل حول علاقة
الخفاء بمسلك ” وان تيهاي ” استمرّ طويلاً دُونَ أن تتحقق الغلبة لأيّ
طرف , و دُونَ أن يتوصل أحد لسرّ افتتانِ العاشق بِما لم يعشقهُ إنسانٌ
قبلَ ذلكَ اليوم : الظلامْ.
9
و لكنّ الحيلَةَ لمْ تغِب عَن أولئكَ
الذين عاشروا الشّعراء و عرفوا طبيعَة الأشعار , لأنهم أدركوا مِن
قديم , أنّ القصيدَ لا يكونُ قصيداً حقيقياً إذا لَم يتنفّس أهواءَ
المغالاة , بل إذا لَم يتنفس كذباً .
10
يقولُونَ أنّ لا أحدَ اكتشفَ سرّ المراة
مثل المرأة , و أنّ عدمَ رؤية الحسنَاء حُسناً في حسناء يَنطوي على
حكمة هيهات أن ينالها أدهى الرّجال ,و المرأة .. في الحقّ , لا تزدادُ
قبحاً إلا إذا ازدادت حُسناً . و ذكّر هؤلاء بوصيةٍ ضائعَة مِن وصايا
النّامُوس تقول : ما أقبح المرأة الحسناء.
11
الجنّ هم الأمّة الوحيدة التي تكنّ
احتقاراً لكلّ حُكم , و لأبناءِ أهل الحُكم , لسببٍ خفيّ استعصى حتى
على العرّافينَ و السّحرة .
12
لماذا يتحفز البُلهاء للقاء التّهلكة
؟ لماذا يندفعونَ إلى ألسنَةِ النّار ليحترقوا بألسنةِ النّار ؟ ,
ألَم يرَوا مآل الكَائنات التي اختَارَت العيشَ تحتَ الشّموس ؟ ألم
يجرّبوا الخِصام و المكَائد و الكَراهيَة و كلّ أمرٍ شقي ؟ , هل طابَ
العيشُ لمخلوقٍ دبّ تحتَ شُعاعات الشمس يوماً ؟ , هل خذلَ الخفاءُ
إنساناً استجارَ بهِ يوماً و وُجدَ مأخوذاً على غفلة ؟ . لماذا يريدونه
أن أن يقتنعَ بالخُروج و هُم أعلَم أنّهُ , إن خرج لن يخرج إلا للطعن
و الفناء ؟ , أمْ أنّ الناسَ لا تُريدُ بالنّاس إلا شراً , وما على
الإنسانِ الحكيم إلا أن يأتيَ ضداً في كلّ أمر .
13
لقَد أدركتُ الخطر منذ زمنٍ بعيد ,
خطر التبدّي , خطر الظّهور , خطر التباهي بما ملكت يداك حتى لو كانَ
هذا البدن الهزيل . خطر أن تُرى بالعين , خطرَ أن تدُبّ أمامهم على
قدَمين , خطر أن تحيا . سيكيدون .. سيكيدون لأنّكَ تدبّ مثلهم على
قدمين , لأنّكَ ترفل في الثوب الأزرق , و ترتدي اللثامَ الأزرق , و
تحشر قدميكَ في النّعل , و تمشي برأسٍ مرفوع إلى أعلى قليلاً , الرأس
المرفوع إلى أعلى تحتَ ضياءِ الشمس عمل مميت حقاً في ناموسِهم . في
كلّ النّواميس التي وجدت تحت أشعة الشمس .
سوفَ تُتّهم بالكبرياء , سوفَ تُثيرُ
حسداً , سوفَ تستثيرُ حقداً , و ستنطلقُ الألسن , و ستُنصبُ لكَ الفخاخ
, لأنك تجاسرتَ فخرجتَ نهاراً , و شوهدتَ بالعين , و مشيتَ مشية المكابرين
الذين يمشون في الأرضِ فرحين . و كنتَ طوال ذلكَ الوقت تنظر إلى الأفق
البعيد كأنّكَ إله مِن آلهة القدماء . و تتنفس بطريقةٍ مريبة , و تحيا
.. أسوأ ما في الأمرَ كلّه أنكَ تحيا .
14
لا حقّ لإنسانٍ أن يحيا إذا كان جارهُ
يحيا , لا يحق لإنسانٍ أن يحيا إذا كان في الصحراء كلها إنسان واحدٌ
يحيا . الحياةُ لا تحتملُ حياةً أخرى أبداً . الإنسان يعيشُ شقياً
جداً إذا جاءَ نبأ يقول بأنّ ثمة إنساناً في الكونِ كلّه يدبّ , و
يتنفس بعمق .. و يستمتع .. و يحيا مثله .
15
ما إن يعلم الإنسان أنّ لهُ أخاً يحيا
في الرقعة المجهولة حتى يُصبح لا بدّ لهُ مِن أن يحتال , و يبتدع ,
و يركب الريح ليصلَ إليه , يصل إليه .. يرتمي بينَ ذراعيه , يحتضنهُ
بحرارة , و يبكي بدموع الحنين بينَ يديه . ثمّ يستغفله ليطعنهُ في
الظهر الطعنةَ المُميتة . هذا هوَ الإنسان , هذا هوَ الإنسان الذي
يثورُ عندما تجاهر بالحق و تُخبرهُ بحقيقته , لقد أغضبَ الكثيرين و
فقدَ أقراناً أكثر . لأنّهُ كلمهم بالأم .
16
أحسنت , أحسست منذ زمن بأنك الوحيد
الذي لم يستنكر عزلتي أيضاً .
- بل كنتُ لكَ من المشجعين .
- أنا لم أسبّب الأذى لأحد , و لكنّي جربت أنني لم أظهر في الأضواء
أمام الناس يوماً إلا و نالني منهم مُصاب , فكيفَ أسكُن إليهم ؟.
- لا تسكُن إليهم , بل امضِ في دهليزكَ إلى الأبد .
17
ما أشجعَ حكيم القبيلة الذي سمل عينيه
ليرى ليرى مالا تراهُ القبيلة . ليرى ما يجب أن يُرى , لا ما أريدَ
لهُ أن يراه . صاحَ في القومِ يومَ حرقَ مقلتيهِ بالنار : ” أنا سعيدٌ
بعمائي , لأنني بفضلهِ استطعتُ أن أرى مالا ترَون , و أحيا لا كما
تحيون ” . لقد أدركَ أنّ رؤى الكلّ عماء , ما يراهُ الكلّ عماء هوَ
الرؤيَة .
18
يُقالُ إنّ السحرة كانوا أول مَن نبّهَ
إلى مزايا القناع عندما اكتشفوا حاجَة الإنسانِ إلى التستّر . و قرروا
أن يُشبعوا هذهِ الحاجة بسنّ ناموس يوجبُ ارتداءَ القناع على كلّ مَن
بلغ سنّ الرّشد .
19
أليسَ في اتخاذ القناع حنينٌ إلى الوطن
الأول الذي أضعناهُ يومَ ولدنا ؟ و نحسّ بوجودهِ جميعاً في مكانٍ ما
خارج الصحراء , و لكننا لا نُدركه , ولا نعرف الطريقَ إليه ؟ .
20
حدّثهُ عن قساوة الشماتة , و تساءلَ
عن سرّ هذا الداء , فتكلّمَت الأجيال على لسانِ الإنسان الخالد : ”
صدقت , الشماتة داء لم يجد السلف لدفعهِ حيلَة . هل تدري لماذا ؟ ,
لأنها ليست مركبة في الجسد وحده كما تتركّبُ فيه الشهوة , و لكنّها
كامنة في النّفوسِ أيضاً يا مولاي .
21
لماذا تفتننا الإساءة إلى هذا
الحد ؟ أيّ سرٍ في الشّر ؟
22
أما مِن سبيلٍ لإصلاحِ الأمر
؟ اما مِن سبيلٍ لإيجادِ تفسيرٍ لهذا الجنون ؟ إذا كانَ الشقيّ يعرف
أنّ الشرّ سيعودُ إليهِ مضاعفاً , و السّحرُ سوفَ ينقلبُ على الساحر
, فما الذي يجعلهُ يندفع إلى التهلكة ؟ “ أجاب الشبح ببرودِ الكائنات
الخالدة : ” لأنّ التهلكة , يا مولاي .. هيَ الغاية . لقد اتفقنا يوماً
أنّ الإنسان ولد و هوَ يحملُ بين جنبيهِ عداءً لأخيهِ الإنسان . و
اليوم اكتشفنا أن ذلك العداء الذي يخفيه هذا المخلوق لأخيه ليس إلا
حيلة صغيرة غايتها الأبعد هيَ إنزال العدوان على نفسه هو .
23
عجب , لم أظنّ يوماً أنّ بوسع إنسان
آخر أن يحدثني عن نفسي بأكثر مما أستطيع أن أتحدث عن نفسي . لم أظنّ
يوماً أنني غريب عن نفسي إلى هذا الحد , لم أظنّ يوماً أنّ الشماتة
حيلة لاستفزاز الخصوم . و أنّ استفزاز الخصوم حيلة للحصول على الجزاء
الذي لا يُعلى عليه .. جزاء : التهلكة .
24
و لكن ما علّة قصرعُمر الهناء
؟ لماذا لا يمهل الخفاء مرحاً , ولا يطيلُ للسّعادةِ زماناً حتى لو
كانت سعادة في حلم يقظة ؟ لماذا يعبرُ البهاء ولا يمكثُ في الخلاء
إلا كلّ أمرٍ ذميم ؟
25
لا شيءَ في الصحراء يفجع كفقدان
من لم ننتظر فراقه , لأننا أخطأنا فأحببناهُ أكثر ممّا ينبغي . فإياكِ
أن تحبي الغزلان كما أحببتُ الغزلان , إياكِ أن ترهني قلبكِ في شيء
حتى لو كانَ نصباً مِن أنصاب الحجارة .
26
ألم تري كيفَ يفسد الماء إذا حبسناهُ
في القربة أو الوعاء لأمدٍ طويل ؟
- ما امتلكناهُ أيضاً حبسناه , وما
حبسناهُ قتلناهُ بأيدينا .
27
انظري إلى الخفاء الذي تخفيهِ الآفاق
, اعشقي الخفاء الذي خفي , اعشقي كلّ شيءٍ تخفّى . لأنّ الأشياء التي
لا تظهر لنا باقية و تستحق العشق . أما الكائنات التي تتبدّى لعيوننا
, و تظهر لنا في العراء فإنها لا تمكُث طويلاً , لأنها دائماً في عجلةٍ
مِن أمرها .. لا تكاد تظهر حتى تختفي , لا تتبدّى حتى تعبر و تغيب
.
28
الإنسان الحقيقي لا بدّ أن يموت.
29
في صدر الإنسان نوايا لا يعرفها حتى
الإنسان الذي يحملها .
30
موجعٌ جداً أن نحيا , ربما لهذه
العلة نرفع نصل المدية لنطعنَ مَن نحب .
31
ظننتُ يوماً أنّ العيش هو الشيء الوحيد
الذي لا يملّهُ الإنسان أبداً .
32
الحياةُ تستكين في الأمكنةِ التي تبدو
بلا حياة .
ــــ
-1-

كزهر اللوز أو أبعد | محمود درويش - تاريخ القراءة
20 -12-2005
1
الآن في المنفى ,
نعم في البيت .. في الستين مِن عمرٍ سريع ,
يوقدون الشمع لك
فافرح بأقصى ما استطعت من الهدوء ,
لأنّ موتاً طائشاً ضلّ الطريق إليك مِن فرطِ الزحام
و أجّلك ..
2
سيري ببُطءٍ يا حيَاة , لكي أراكِ..
بكاملِ النقصانِ حولي , كم نسيتكِ في خضمّكِ
باحثاً عنّي و عنكِ , و كلّما أدركتُ سراً منكِ
قلتُ بقسوةٍ : ما أجهلِك ! .
3
إن نهضتَ صباحاً , و لمْ تجدِ الآخرينَ معك ,
يفركون جفونك , قل للبصيرةِ : شكراً .
إن تذكّرتَ حرفاً من اسمكَ و اسمِ بلادك ,
كُن ولدأ طيباً , ليقول لكَ الرّب : شكراً ! .
4
كَم أنتَ حرٌ أيّها المنسيّ في المقهى , فلا أحد يرى
أثر الكمنجة فيك , لا أحدَ يحملق في حضوركَ أو غيابك ,
أو يدقق في ضبابِكَ إن نظرتَ إلى فتاةٍ و انكسرتَ أمامها ..
كم أنتَ حرٌ في إدارة شأنكَ الشخصي
في هذا الزحام بلا رقيبٍ منكَ أو مِن .. قارئ!
فاصنع بنفسكَ ما تشاء , اخلع قميصكَ أو حذاءك إن أردت
فأنتَ منسيٌ و حرٌ في خيالك , ليس لإسمكَ أو وجهك هنا
عملٌ ضروريّ , تكونُ كما تكون .. فلا صديقٌ ولا عدوٌ
يراقبُ هنا ذكرياتك .
5
لا حُبّ في عملِ الحب ..
كالواجبِ الوطني هوَ الحبّ
صحراء غير سياحيّة ,
غير مرئية خلف هذا الجفاف ..
كحرية السجناء بتنظيفِ أعلامهم من براز الطيور ,
جفافٌ كحق النساء بطاعة أزواجهنّ و هجر المضاجِع ,
لا عشبَ أخضر, لا عُشبَ أصفر .. لا لون في مرض اللون .
6
أعطنا يا حُبّ , فيضكَ كلّهُ لنخوض
حرب العاطفييّن الشريفة ..
فالمناخ ملائم ,
و الشمس تشحذ في الصباحِ سلاحنا ..
يا حُب , لا هَدَف لنا إلا الهزيمة في حروبك ..
فانتصِر أنتَ انتصر , و اسمَع مديحك من ضحاياك :
انتصر , سلمَتْ يداك !! , و عُد إلينا خاسرينَ و سالماً .
الموتى سواسية أمام الموت , لا يتكلّمون ,
و ربّما .. لا يحلُمُون ..
و قد تكونُ جنازة الشخص الغريبِ جنازتي ,
لكنّ أمراً ما إلهيّاً يؤجلها ,
لأسبَابٍ عديدة , مِنها :
خطأ كبيرٌ في القصيدة ! .
8
أما أنا , سأصغي إلى جسدي بهدوءِ الطبيبة :
لا شيء , لا شيء
يوجعني في الغِيابِ سوى عزلة الكون ! .
هيَ لا تُحبك أنت ,
يعجبها مجازك ..
أنتَ شاعرها ,
و هذا كلّ ما في الأمر .
يعجبها اندفاع النهر في الإيقاع ..
كُن نهراً لتعجبها ..
و يعجبها جماعُ البرق و الأصوات قافية ..
تسيل لعاب نهديها على حرفٍ ..
فكُن ألفاً لتعجبها ! .
10
الآن بعدكِ , عندَ قافيةٍ مناسبةٍ
و منفى , تصلحُ الأشجار وقفتها و تضحك ,
إنهُ صيفُ الخريف , كعطلةٍ في غيرِ موعدها ..
كثقبٍ في الزمانِ , و كانقطاعٍ في نشيد .
11
الآن بعدكِ , عند قافيةٍ ملائمةٍ و منفى ,
تصلحُ الأشجار وقفتها و تضحَك ..
أشتهيكِ أشتهيكِ , و أنتِ تغتسلين
عن بعدٍ بشمسِك , إنهُ صيف الخريف
كعطلةٍ في غيرِ موعدها , سنعلمُ أنهُ فصلٌ
يدافعُ عن ضراوتهِ , و عن حبٍ خرافيّ سعيد .
الشمسُ تضحكُ مِن حماقتنا و تضحك ..
لن أعود و لن تعودي .
..
m3bd.net